ساسي سالم الحاج

82

نقد الخطاب الاستشراقي

المهنة حبه للعزلة والتأمل في الكون وظواهره كالسماء الصافية والشمس المشرقة ، والليل المظلم المتلألئ بالنجوم ، وقد قادته هذه التأملات إلى الوحدانية المطلقة التي دعا إليها بضراوة في قادم الأيام ، وجعلها هدفا رئيسا لم يحد عنه مهما كانت العقبات التي وقفت في طريقه « 1 » . وأكّد « موير » أخلاق الرسول العالية إبّان فترة شبابه ، وطهارته ، وابتعاده عن كل ما كان يفعله أقرانه ، وصدّق الروايات الإسلامية التي وصفت الرسول بهذه الصفات الخلقية النادرة كالتواضع ، والرحمة ، والصدق ، والأمانة ، والابتعاد عن اللهو بمختلف أشكاله وألوانه . ورأى « موير » أن هذه الصفات تتفق وطباعه السمحة المتأملة المفكرة المبتعدة عن كل الشبهات « 2 » . وتعرّض « موير » إلى مزاولة الرسول للتجارة لحساب السيدة خديجة . وهكذا ذهب في قافلة تجارية إلى سوريا كوكيل عنها . وإبّان هذه الرحلة تعمقت معارفه ومعلوماته عمّا شاهده وسمعه في رحلته السابقة . ويؤكد « موير » أن الرسول قد اختلط بالقساوسة والرهبان في سوريا وناقشهم في العديد من القضايا الدينية . ويفترض « موير » أن رجال الدين المسيحيين قد أكرموه ، واستقبلوه استقبالا حسنا ، ويبرهن على صحة افتراضه هذا بإيراد القرآن لآيات عديدة تشيد بهم وتشكرهم ولكنه لم يرض عن مذاهبهم « 3 » . كان من نتائج هذه الرحلة إلى سوريا - بالإضافة إلى تأملات محمد ومشاهداته للأحوال الدينية في سوريا - لفت انتباه السيدة خديجة إلى خصاله الحميدة كأمانته وصدقه ، وما شاهده غلامها « ميسرة » من نبل أخلاقه وسموّها ، فعرضت عليه الزواج منها ووافق هو على ذلك - في قصة طويلة لا داعي لذكرها هنا - ولكن « موير » سرد قصة زواج خديجة بالرسول استنادا إلى رواية « شبرنجر » و « قيل » ، وكيف أن والد خديجة قد عاقر الخمر حتى فقد رشده ، وعقد لابنته على محمد ، وعندما استيقظ من سكره تساءل عن الاحتفال الذي يجري في بيته ، فأبلغ بأنه قد عقد قران ابنته خديجة على محمد . وكيف أنه لما علم بذلك استشاط غضبا قائلا : « كيف أزوّج ابنتي لهذا

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 14 . ( 2 ) بتصرف من عندنا . Ibid , op . cit , p . 15 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 18 .